دور البصرة في نشأة
الدراسات النحوية مرحلة النضج والتطور الدكتور زهير غازي زاهد
تقـديـم نضـج الـدرس النحـوي واستقلالـه فيهـا إقامتها أصـول النحـو العربـي 1 ـ السمـاع (أ) القـرآن الكريـم وقراءتـه (ب) كـلام العـرب (ج) الحديـث النبـوي 2 ـ القيـاس 3 ـ التعليـل ظاهـرة التأليـف فـي النحـو مدرسـة النحـو العربـي وانتشارهـا فـي الآفـاق أهـم المصنفـات بعـد الكتـاب 1 ـ التصريـف لأبـي عثمـان 2 ـ أ ـ المقتضـب لأبـي العبـاس المبـرد : (ب) الأصول فـي النحـو ـ لأبي بكـر بـن السـراج (ج) المفصـل للزمخشـري 3 ـ (أ) الجمـل لأبـي القاسـم الزجاجـي (ب) كتـاب الواضـح لأبـو بكـر الزبيـدي (ج) كتـاب اللمـع لأبـن جنـي المصـادر والمراجـع تقـديـم هذا البحث حاولت فيه أن ارسم ملامح تطور النحو العربي بعد
نشأته ونضجه في البصرة . لقد كان خلاف في نشأة هذا العلم لكنه لم يختلف في موطن مولده وهو البصرة وكان خلاف في مناهجه بعد نضجه لكن لم يختلف في إن نضج منهجه كان على يدي الخليل في البصرة . وهو اكبر علماء العربية ومفتاح علومها . كما وصفه احد مترجميه ، بعد أبي عمرو بن العلاء . وعن الخليل اخذ رأس المذهب الكوفي في النحو . ولقد صنفت الكتب في هذا الخلاف وكتبت البحوث لكن لم تخرج تلك المصنفات عن مدرسة النحو العربي بأسسها ولصولها التي استقرت في منهج الخليل وضوابطه وقواعده ومصطلحاته . وللخليل إبداع في أكثر من علم فهو واضع أول معجم في العربية في تأليفه كتاب العين وهو واضع علم العروض ثم هو النحوي الحق الذي نضج النحو وقواعده ومصطلحاته على يديه . والكتاب الذي اقترن باسم تلميذه سيبويه كمجموعة أملاءاته وتخطيطه لمجالات الدرس اللغوي في الأصوات والصرف والنحو وقد بقي منهج الدرس على وفق ما ثبته في الكتاب تتداوله العصور التي أعقبته حين خرج النحو من البصرة إلى الآفاق . وددت بدراسة جهود علمائنا القدامى أن نلتفت إلى علمائنا المعاصرين فنذكر جهودهم العلمية بالثناء والتقدير ، لذا اهدي هذا العمل إلى الأديب اللغوي المحقق الدكتور خليل العطية تقديراً لجهوده في مجالات تراثنا اللغوي .
نضـج الـدرس النحـوي واستقلالـه فيهـا استطيع أن احدد ثلاث مراحل مر فيها النحو
العربي حتى بلوغه طور النضج فالمرحلة الأولى وهي مرحلة التمهيد كان فيها
عبارة عن أنظار لغوية ومسائل عامة كانت تثار في مجالس العلماء ، وكان
المهتمون بسلامة العربية لغة القرآن الكريم يروونها ويعالجونها . واهم عمل
كان في هذه المرحلة نقط الإعراب الذي ابتكره أبو الأسود الدؤلي المتوفى سنة
69 هـ وبه حلت مشكلة ضبط أواخر الكلمة . وكان أبو الأسود احد حماة اللغة
وسلامتها والداعين إلى تعليمها للموالي الذين دخلوا في الإسلام(1) وكان يتتبع مواطن اللحن ويسعى إلى تقويمها
وهو بهذا يعد احد رواد التصحيح اللغوي(2) . ونقط الإعراب لايعد عملاً نحوياً إلا انه
كان أساسا ، في اكبر الظن ، انطلقت منه مصطلحات الضم والفتح والكسر التي
استعملها النحويون بعد ذلك وهو ما أوحي به قوله للكتاب الذي اختاره لضبط
المصحف : ( إذا رأيتني فتحت فمي بالحرف فأنقط نقطة فوقه على أعلاه فأن ضممت
فمي فأنقط نقطة بين يدي الحرف وان كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف فان اتبعت
شيئاً من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين )(3) . أما المرحلة الثانية فقد بدأت بابن أبي إسحاق المتوفى 177 هـ الذي قيل فيه انه : ( أول من بعج النحو ومد القياس والعلل وكان معه أبو عمرو ( بن العلاء ) وبقي بعده بقاء طويلاً )(4) يمكن وصف هذه المرحلة بمرحلة نشأة النحو بمعناه العلمي لاستخدام أسسه المنهجية من قياس وتعليق إلا انه لم يزل أنظارا عامة في مجال القراءات والشعر أو الكلام . ************************************************************** (1) أخبار النحويين البصريين السيرافي 13 ، 14 طبقات الزبيدي 22 . (2) ذهب بعض الباحثين إلى أن مبدأ تنقية العربية كان من أوائل القرن الثاني للهجرة كما جاء في ( العربية ) ليوهان فك ص 36 إني أظن أن العمل لتقنية العربية كان اسبق من ذلك فبدايته منذ النصف الأول من القرن الأول وفي النصف الثاني من هذا القرن شاعت أنظار لغوية وأقوال في تصحيح الأخطاء . ( انظر أخبار النحويين البصريين للسيرافي ص 6 ، 14 ، 23 ، في التفكير النحوي ص 37 ) . (3) أخبار النحويين البصريين ص 12 ، الفهرست لأبن النديم 66 ( لم يذكر الغنة ) . (4) طبقات ابن سلام 6 ، ابناه الرواة 2\105 ، 106 . أما المرحلة الثالثة فنستطيع أن نجددها
ببداية النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة وهي مرحلة نضج النحو وقضاياه
ومسائله إذا تكاملت بنيته وقام هيكله بمعناه العام في النحو على أيدي جيل
تلامذة أبي عمرو بن العلاء وأبرزهم الخليل بن احمد الفراهيدي المتوفى 175 هـ
ويونس بن حبيب المتوفى 182 هـ ، إذ نجد النحو هيكلاً قائماً بكل مستوياته
اللغوية وأسسه وأصوله ، يشهد بذلك الكتاب الذي عزي إلى سيبويه وما احتواه من
مادة غزيرة شملت موضوعات النحو العربي وقضاياه كما شملت موضوعات الصرف
وقضاياه كما شملت دراسة الأصوات العربية مخارجها وصفاتها وظواهرها اللغوية ،
وقد تجلى علم الخليل في هذا الكتاب كما تجلى علمه في اللغة وقدرته على تنظيم
موادها واستيعاب مفرداتها في معجم ( العين ) . لقد اكتمل الدرس النحوي لدى الخليل واستقل عن باقي العلوم العربية ، والقسم الأول من الكتاب ضم موضوعات النحو كما ذكرت والفكرة التي قام عليها هي فكرة العامل شاعت في الكتاب ومن ثم النحو العربي بعد ذلك فالعامل هو الذي يحدث الإعراب وعلاماته من رفع وجر ونصب وجزم ، وتتوالى أبواب الكتاب على ذلك ، كما شاعت مصطلحات النحو فيه كالمبتدأ والخبر وكان وأخواتها وان وأخواتها والمفعول والمفاعل والأفعال اللازمة والمتعدية والتوابع والنداء والاستغاثة وغير ذلك مما احتواه الكتاب من المصطلحات ، كل ذلك من وضع الخليل أو من تهذيبه إلى جانب أقوال من عاصره أو كان قبله من النحويين(5) لقد كان الكتاب أول كتاب جامع لقواعد النحو وأصوله ، نقل سيبويه فيه أقوال الخليل وآراءه وسجلها ذاكراً اسمه أحيانا في محاوراته أو مشيراً إليه أخرى ، حتى يمكن لقائل أن يقول إن الكتاب لم يترك قاعدة نحوية إلا سجلها وذلك دليل على استيعاب الخليل أساليب العرب في كلامها وتمثله إياها . أما البحث الصرفي فنجد جهود الخليل وإبداعه فيه ظاهراً أيضا فبحثه ************************************************************** (5) انظر تفصيل ذلك في المدارس النحوية لشوقي ضيف 34 ، 35 ، 85 ، كتاب سيبويه وشروحه للدكتورة خديجة ألحديثي 75 وما بعدها . مجردة ومزيدة وملاحظته إن المجردة لا تزيد على خمسة
ولاتقل عن ثلاثة(6) . وابتداعه
الميزان الصرفي المعروف متخذاً صيغة ( فعل ) للثلاثي المجرد وزيادة لام
للرباعي ولامين للخماسي ثم تزاد عليها ما يزاد على الكلمات من حروف الزيادة
التي حصرها في عشرة أحرف الفضل في وضع قوانين الإعلال والإبدال(7) وموضوعات الإفراد والتثنية والجمع والنسب
والتصغير ومعالجة الظواهر اللغوية معالجة دقيقة كمباحثه في الإدغام وتفسير
ذلك كله ووضع الأسماء بإزاء مسمياتها(8) ، وغير ذلك مما حوى الكتاب من مباحث .
أما الدراسة الصوتية فقد وجدنا الخليل يخطو بها خطوات واسعة أنضجت هذه الدراسة . لقد قسم الحروف العربية ، وهي عنده تسعة وعشرون ، إلى قسمين : أولهما الصحيحة وهي التي لها انحياز ومخارج وعددها خمسة وعشرون وثانيهما أربعة هوائية وهي الواو والياء والألف والهمزة . وكان له ترتيب صوتي أبدعه على وفق مخارجها ابتدأ من أقصاها في الحلق حتى الشفتين ومبتدئا بالعين ومنتهياً بالميم ثم الحروف الهوائية كما يسميها(9) ، ثم أطال النظر في الحروف وحاول أن يحدد صفاتها و خصائصها مهمولها ومجهودها وشديدها ورخوها وحروف القلقلة وغير ذلك مما يتصل بالحروف(10) . إن الدراسة الصوتية في الكتاب المعزى إلى سيبويه وما يترتب على تشكيل الأصوات من ظواهر كالاغام والإعلال والإبدال وصدرها الخليل بن احمد كما هو ************************************************************** (6) انظر كتاب العين 1 \ 48 ، 49 ، تهذيب اللغة 1 \ 42 . (7) المدارس النحوية لشوقي ضيف 35 . (8) انظر عبقري من البصرة الدكتور المخزومي 93 ، كتاب سيبويه وشروحه 85 ، 89 . (9) العين 1 \ 47 ، 48 ، 58 وانظر الخليل بن احمد المخزومي 99 ، الأصوات للدكتور كمال بشر 77 ، وما بعدها حديث مفصل عن ترتيب الخليل وفرق مابينه وبين ترتيب ابن جني ، في البحث الصوتي عند العرب للدكتور خليل العطية 25 وما بعدها . (10) تهذيب اللغة 1 \ 45 ، وانظر الخليل بن احمد المخزومي 113 . وما بعدها ، في البحث الصوتي عند العرب ص 38 - 61 ففيه تفصيل لهذا الموضوع . معروف من مادة الكتاب وما سيأتي من حديث
. أما أقواله في الحركات ومصطلحاته وأحكامه في ذلك فهي التي شاعت لدى النحويين بعده أثرها في مصنفاتهم . فأول ما كان من إبداعه إيجاده صور الحركات التي حلت محل نقط أبي الأسود فأكمل بها رسم الكتابة العربية والالتباس بنقط الاعجام الذي وضعه نصر بن عاصم المتوفى 89 هـ اخذ رسم الضم والفتح والكسر من أصوات اللين الطويلة قائلا : الحركات ابعاض الحروف فأخذت الضمة من الواو والفتحة من الألف والكسرة من الياء(11) وهو الذي اوجد ألقاب الإعراب وميزها عن ألقاب البناء واوجد مصطلحات الحركات بـه الكلمـة وحشوهـا(12) . إقامتها أصـول النحـو العربـي إن أصول النحو التي استقر عليها في عصر الخليل وشارك في إقامتها شيوخه أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر وغيرهما هي التي سار عليها النحويين بعد ذلك سواء في البصرة أو في الآفاق التي شاعت فيها مدرسة النحو العربي وهذه الأصول هي : 1 ـ السمـاع لقد سلك الخليل سبيل شيخه أبي عمرو في سعة سماعه عن العرب وكثرة رحلاته إليهم فقد رويت لأبي عمرو أقوال في تحديد القبائل الفصيحة وذكرت له أحكام في الأفصح منها والأنقى لساناً بعد سماع كلامهم من مواطنه(13) وكذلك كانت للخليل رحلة للحج بين عام وعام كما تروي له كتب الطبقات وكان يسمع ************************************************************** (11) الكتاب 4 \ 242 . (12) انظر مفاتيح العلوم للخوارزمي 30 . (13) أبو عمرو بن العلاء وجهوده في القراءة والنحو ص 115 وما بعدها . كلام العرب في بواديهم وتداول الحديث عن الكثير من
اساليبهم . ظهر ذلك في اقيسته وأحكامه على أساليب الكلام وظواهره نقرأ ذلك
كله في الكتاب . إن مصادره اللغوية هي مصادر النحو العربي وأهمها :
(أ) القـرآن الكريـم وقراءتـه : النحويون الأوائل جميعاً كانوا أما قراء وأما رواة للقراءات لذا نجدهم قد اتخذوا من القرآن الكريم وقراءاته مصدراً مهماً من مصادرهم اللغوية في التعقيد فأكثروا من الاستشهاد منه ، فقد بلغت الشواهد القرآنية في الكتاب ( 373 ) وتجاوزت في المقتضب للمبرد خمسمائة آية وهكذا ضل القرآن الكريم وقراءاته من مصادر النحويين المهمة : والموقف من القراءات في ( الكتاب ) كان موقف الخليل ومن اخذ عنهم وأهمهم أبو عمرو بن العلاء احد القراء السبعة وعيسى بن عمر احد رواة القراءات وكان موقفاً لغوياً سليماً ، فهو يستشهد بالقرآن لإثبات حكم لغوي كما يستشهد بالشعر لذلك أيضا إذ كان يقبل القراءة غير معترض عليها مادامت صحيحة السند موافقة للعربية يقيس عليها كما يقيس على الأكثر الاشيع في لغة العرب أما ما كان على غرار النادر أو القليل فحكمه حكم النادر القليل في كلامهم إذ انعكست في القراءات الظواهر اللغوية للسان العرب ، ولما كان هم العلماء آنذاك إقامة قواعد للغة واضحة وبعيدة عن اللبس والخلط وجدنا الأحكام اللغوية لديه تأخذ اتجاهين : احدهما ما يراد الأخذ به وهو الشائع الفصيح التي تتوافر فيه أسباب الفصاحة والأصالة اللسانية والثاني مايروي لأنه مأخوذ عن فصحاء إلا أن لا ينصف بما أنصف به السابق من أسباب الفصاحة ، لذا جاءت جملة من الظواهر اللهجية في القراءات مروية إلا أنها لا يقاس عليها أعدت من قبيل الضرورات في الشعر فكانت القراءات الموصوفة بالصحة وهي السبع وما في مستواها هي الأقوى في الاستشهاد . (ب) كـلام العـرب : كانت حافظة الخليل خزيناً للكثير من أساليب العرب وصور
كلامها من الشعر والنثر وقد سمع كل ذلك ودعاه في أثناء رحلاته مباشرة وسمعه
من الوافدين على البصرة من الإعراب أو رواة عن شيوخه مما سمعوه ورووه
والمعروف عن شيخه أبي عمرو انه كان كثير السماع وهو من كبار جامعي اللغة
وحفظتها(14) . واكبر ضني أن مقياس
الفصاحة والقبائل الفصيحة التي اتضحت ملامحها من أقوال أبي عمرو بن العلاء
ومن كان قبله من العلماء استمرت لدى الخليل . روى عن ابن عباس انه قال : (
انزل القرآن على سبعة أحرف أو قال سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازان
وهم الذين يقال لهم عليا هوازن ومنها سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية
وثقيف . وفيهم قال أبي عمرو : أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم فهذه عليا
هوازن وأما سفلى تميم فبنو دارم )(15)
وعن الأصمعي قال : سمعت أبا عمرو يقول : أفصح الناس سافلة قريش وعالية تميم .
قال : وكنا نسمع أصحابا يقولون : أفصح الناس تميم وقيس وأزد السراة وبنو
عذرة(16) . أن ما جاء في قول الفارابي(17) : أن القبائل المعتمدة في الفصاحة لدى النحويين قيس وتميم وأسد وطي وهذيل ثم زاد السيوطي(18) عليها كنانة ، هو استمرار لما اعتقده النحويون واللغويون الأوائل ومنهم الخليل وان كان هذا التحديد عاماً لم يكن ملزماً . من يقرأ ( الكتاب ) يعجب بما كان للخليل من اطلاع على كلام العرب من حفظة وذاكرة تستحضر ما تحفظ من الشواهد والأقوال والمواقف اللغوية ************************************************************** (14) أبو عمرو بن العلاء ص 115 .. وما بعدها . (15) ألصاحبي 41 ، للزركشي 1 \ 283 . (16) الفاصل للمبرد 113 ، وانظر أبو عمرو بن العلاء 115 ... (17) كتاب الحروف 147 . (18) الاقتراح 19 ، 20 ، 21 ، والمزهر 1 \ 212 . وقياسها . وكما كان أبو عمرو اشد تسليماً للعرب من ابن
أبي إسحاق كذا كان الخليل فقد روى الكثير من كلامهم وقاس عليه فهو يعمل على
الأكثر ويسمي ما خالفه لغات وهو منهج أبي عمرو(19) . أما اطلاعه على الشعر العربي وحفظه له فيكفي أن نذكر ظاهرتين تثير الإعجاب في سعة حفظه : أولاهما كثرة استشهاده بالشعر في مجال اقيسته وإثباته أحكاما لغوية في ثنايا ( الكتاب ) أو في كتاب العين . ثانيتهما وضع الخليل العروض وحصره أوزان الشعر العربي واستيعابه الشامل لأنواع موسيقاه ، لقد وضعه وضعاً لم يستطع من جاء بعده أن يضيف إليه أو يستدرك عليه جديداً . لقد توقف احتجاج الخليل بالشعر عند الإسلاميين الفرزدق وجرير والأخطل وذي الرمة والكميت وهو مذهب شيخه أبي عمرو في الاحتجاج بالشعر(20) أما المحدثون فلم يستشهد بشعرهم في مجال التقعيد وهو ما صار تقليداً لدى النحويين بعد ذلك ، ونحن إذا عذرنا الخليل في ذلك لأنه استشهد بشعر الشعراء الذين أدركهم أو كانوا قريبين من عصره فلسنا نجد عذراً للنحويين الذين جاءوا بعده ولم يستشهدوا بشعر المحدثين . (ج) الحديـث النبـوي : كان الحديث النبوي الشريف اقل المصادر اللغوية في مجال الاستشهاد النحوي ، وقد دار خلاف في قضية الاستشهاد به أثاره المتأخرون فإكثار ابن خروف ( ت 609 هـ ) وابن مالك ( ت 672 هـ ) من الاستشهاد به أثار ابن حيان النحوي ( ت 735 هـ ) فنقد هذا الاتجاه وعده خروجاً عن منهج القدماء الأوائل وكأن ذلك الخلاف أوحي بان الأوائل كأبي عمرو وعيسى والخليل كانوا يعزفون ************************************************************** (19) انظر ذلك في طبقات الزبيدي 39 ، أبو عمرو بن العلاء 119 ، 121 . (20) انظر تفصيل ذلك في طبقات الزبيدي 39 ، أبو عمرو بن العلاء 119 ، ... وما بعدها . عن الاستشهاد بالحديث وقد اختلفوا أسبابا لذلك منها كون
الحديث روى بالمعنى وان جل رواته من غير العرب وغير ذلك . إن هذه القضية في اغلب الظن بعيدة عما أوجدوه واختلقوه من أسباب إذ لم يصرح احد من القدامى باعتراضه عن الحديث النبوي والاستشهاد به ولم يرد ذلك ذكر في مصدر ولا قول على لسان احد منهم ، والذي ذهبت إليه إن النحويين الأوائل كانوا من رواة القراءات والشعر العربي وكلام العرب لأنهم أصحاب سماع فكانت مصادر ثقافتهم وحفظهم هي مجالات الاستشهاد في أحكامهم واقيستهم وتقعيدهم وهم لم يكونوا ذوي اختصاص برواية الحديث فكان للحديث متخصصون عنوا بروايته وتدوينه واثبات صحيحه من ضعيفه ، لذا كان الحديث اقل ماأستشهدوا به في تقعيدهم هذا ما ظننته هو السبب في قلة الاستشهاد به(21) أما المتأخرون بعد أن توافرت كتب الحديث وصحاحه لديهم وكانت لهم في رواية كابن مالك وقبله الزمخشري استشهدوا به واتخذوه مصدراً من مصادرهم غير أن المتزمتين من النحويين عدوا ذلك خروجاً عن منهج الأوائل وكثيراً ما اضر النحويين لسابقهم بالنحو ومنهجه . 2 ـ القيـاس : إن منهج الخليل في القياس منهج استقرائي مبني على استقراء كلام العرب وأساليبهم وهو منهج شيخه أبي عمرو واستمر بعده جيل تلامذته حتى القرن الثالث(22) وهو ما اصطلح عليه بالقياس النحوي ، لقد امتلأ ( الكتاب ) بصور هذا القياس للخليل ، لم يذكر مسألة إلا ذكر فيها الأمثلة والشواهد من كلام العرب نثره وشعره مما رواه أو سمعه كثيراً ما تتردد معه عبارة هذا قياس كلام العرب وهذا قياس لغة العرب وما أشبهها ، فمدلول القياس في هذه المرحلة ( يرتكز على مدى اطراد ************************************************************** (21) انظر تفصيل ذلك في كتابنا أبو عمرو بن العلاء - جهوده في القراءة والنحو ص 139 - 143 . (22) انظر تفصيل ذلك في كتاب أصول التفكير النحوي لأبي المكارم ص 11 ، تجديد النحو لدمشقية 119 ، الخليل بن احمد للمخزومي 223 ، أبو عمرو بن العلاء 119 . الظاهرة في النصوص اللغوية مروية أو مسموعة ما يطرد من
هذه الظواهر قواعد ينبغي الالتزام بها وتقويم ما يشذ من نصوص اللغة عنها
)(23) ، من هنا كان تأويل الظواهر غير
المطرودة لدى نحويين القرون الثلاثة الأولى(24) . إن القضية التي أريد أن أثبتها هنا هي إن نشأة القياس في النحو العربي كانت نشأة طبيعية تزامنت مع العلوم العربية والإسلامية كالقراءات القرآنية والكلام وأصول الفقه ، فالجو الذي نشأ فيه النحو هو الجو الذي نشأت فيه القراءات المعتمدة على النقل والرواية وعلم الكلام الذي يقوم على العقل وأصول الفقه الذي يجمع بين العقل والنقل(25) . إن استدلال نحويي هذه المرحلة بالسماع على القاعدة دليل على أن المنطق الذي كان يسود مباحثهم هو المنطق الطبيعي لا المنطق الصوري الأرسطي كما زعم فكانوا يوردون على القاعدة أو الظاهرة اللغوية لإثبات حكمها من الشواهد اللغوية المسموعة والمروية ما يشهد على صحتها ويكون دليلاً عليها ، لذا كان القياس في هذه المرحلة وعند الخليل بصورة خاصة ثلاثة أنواع : قياس علة وقياس طرد وقياس شبه(26) . 3 ـ التعليـل : لقد بلغ التعليل في عصر الخليل وعلى يديه مرحلة ناضجة أيضا وقد قيل فيه انه استنبط من علل النحو ما لم يستنبطه احد أو يسبقه إليه سابق(27) إلا أن التعليل عنده كما هو عند سابقيه من النحويين كان تفسيراً للقواعد وتابعاً لها ومبرراً لظواهرها ، كان وعي الخليل وإدراكه بحاجة القواعد إلى ما يسندها ويوضحها دفعه إلى ************************************************************** (23) أصول التفكير النحوي 13 . (24) المدارس النحوية للدكتور شوقي ضيف 46 .. ، مكانة الخليل بن احمد في النحو العربي لعبابنة 63 . (25) النحو العربي والدرس الحديث للراجحي 16 . (26) انظر تفصيل ذلك في كتاب ( الأصول ) لتمام حسان 168 . (27) طبقات الزبيدي 43 . الإكثار من العلل وكأنه كان يحاول أن يظهر الحكمة في
النصوص بتعليل ظواهرها وتوضيح خصائصها وهنا تكون العلة متسقة مع القاعدة
النحوية مفسرة لها وكان ذلك في كل مستويات النصوص المسموعة أو المروية حتى
تعليله الشاذ منها وتأويله(28)
واستحسانه لبعض الاستعمالات أو تضعيفه(29) . لقد بهرت طريقة الخليل في التعليل معاصريه فقيل له : اعن العرب أخذتها أم اخترعتها من نفسك ؟ فقال : إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها وعرفت مواقع كلامها وقام في عقولها علله وان لم ينقل ذلك عنها واعتللت أنا بما عندي انه علة لما عللته منه فأن أصبت العلة فهو الذي التمست وان تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل داراً محكمة البناء عجيبة النظم والأقسام وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق أو بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال : إنما فعل هذا كذا لعلة كذا وكذا وبسبب كذا وكذا سنحت له وخطرت بباله محتملة لذلك فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك فأن سنح لغيري علة لما عللته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها(30) . فما دامت الغاية من التعليل تفسير الظواهر اللغوية وتبرير القواعد لفهم كلام العرب وإدراك أسرار تركيبه ، وهي سمة التعليل في القرون الثلاثة الأولى ، فالعلة في هذه المرحلة تعليمية أو ما سميت بالعلة الأولى التي يقتضي معرفتها طالب اللغة في العلة التي لم يرفضها ابن مضاء القرطبي ورفض ما سواها(31) . والغالب على التعليل ************************************************************** (28) انظر أصول التفكير النحوي 165 .. وما بعدها ، مكانة الخليل بن احمد لعبابنة 87 . (29) مثل جر ( خرب ) في قول العرب ( هذا حجر ضب خرب ) وكعطف الظاهر على الضمير المنصوب وكزيادة كان في بعض صور الكلام . انظر الكتاب 1 \ 436 ، 437 ، 2 \ 116 ، 117 ، 153 ، 199 . (30) الإيضاح في علل النحو 65 - 66 . (31) الرد على النحاة 130 .. وما بعدها ، وانظر في أنواع العلل إيضاح الزجاجي 64 - 65 . هذه المرحلة علة المشابهة وتأتي في معظم اقيسة الخليل ثم
علة الخفة وكثرة الاستعمال وعلة التعويض واستخدام أحيانا علة
التوهم(32) ، وفي نهاية القرن الثالث
وما بعده تطور التعليل لدى النحويين متأثراً بالثقافة المنطقية فتعددت العلل
للظاهرة الواحدة من أوائل من اثبت ذلك في نحوه ابن السراج في كتابه ( الأصول
) كما سيأتي الحديث عنه . ظاهـرة التأليـف فـي النحـو إن أهم مظاهر في نهاية النصف الثاني في القرن الثاني للهجرة مصنفان في اللغة احدهما ( الكتاب ) وقد جمع قضايا العربية جمعاً شاملاً ضم قضايا النحو وأساليب التعبير والصرف والأصوات والثاني معجم ( العين ) ، والكتابان كلاهما كانا مثار خلاف بين الدارسين في نسبتهما . الذي يهمنا هنا حديث ( الكتاب ) وما دار حوله من أقوال ، وقبل الحديث عنه أود أن اذكر ثلاث كتب قيل إنها الفت قبل الكتاب هي : ( الإكمال ) و ( الجامع ) لعيسى ابن عمر و ( الفيصل ) لأبي جعفر الرؤاسي ، أما كتابا عيسى بن عمر فلم يصلا ألينا ولم نعلم إن أحدا نقل منهما أو رواهما غير إنني لا استطيع نفي وجودهما بشكل من الأشكال وأرجح أن يكون لعيسى شيء من ذلك بصورة ألواح فيها مذكراته وسماعاته وما كان يدونه عن شيوخه وغيرهم وقد روى إن لمعاصره أبي عمرو بن العلاء كتباً تملأ غرفة حتى السقف قد احرقها في أواخر حياته هي في ضني من هذا القبيل(33) . ************************************************************** (32 ) انظر تمثيل هذه العلل في الكتاب 3 \ 51 ، 100 ، 1 \ 166 .. وما بعدها وانظر تفصيل ذلك في النحو العربي للمخزومي 22 ، 23 ، مكانة الخليل بن احمد العبابنة ص 88 . وأما كتاب ( الفيصل ) الذي زعم أن الخليل أرسل عليه ووضع
كتابه على غراره فهو زعم لا دليل عليه لأنه لم يروه أحد من تلامذة الرؤاسي
كالكسائي والفراء انه نقل منه أو رواه ويبقى الزعم من آثار العصبية بين
المصرين(34) . فقد اختلف القدماء أقوال فيه : احدها إن سيبويه ألفه في علم الخليل فعامة الحكاية فيه للخليل وأبوابه معقودة بلفظه ولفظ الخليل فسيبويه فيه صادق في نقله آراء الخليل وأقواله(35) وهذا يشعرنا بأن تأليف الكتاب كان على عهد الخليل وكان سيبويه يسجل أقوال الخليل وآراءه وما يليه في مجالسه وهو أكثر تلامذته ملازمة له كما يؤكد كتب الطبقات وبعد حياة الخليل أكمله بنقل أشياء مما تركه الخليل من ألواح ومدونات وما أضافه إليه من أبواب الصرف عن يونس نصاً كما سيأتي . ثاني الأقوال جعل ( الكتاب ) من تأليف سيبويه بعد موت الخليل لأحياء علمه(36) وهو قول بعيد في ضني . ثالثها جعل سيبويه جمع علم البرعاء من النحويين وذكر مذاهبهم وكأنه وافق ثعلباً في قوله : اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون أنسانا منهم سيبويه والأصول المسائل للخليل(37) ، أو انه اخذ كتاب ( الجامع ) لعيسى بن عمرو وأحشى عليه من كلام الخليل وغيره وبعد ذلك نسب إليه(38) . رابعها جعل ( الكتاب ) من تأليف الخليل نفسه قائلاً : إن الخليل اطل ************************************************************** (33) انظر مدرسة البصرة النحوية للدكتور السيد 534 ، أبو عمرو بن العلاء ص 41 { نلاحظ المصادر في الهامش 106 من المصلحة المذكورة } . (34) نزهة الالباء 51 ، معجم الأدباء 2 \ 138 ، 7 \ 41 ، وانظر عبقري من البصرة للمخزومي ص 79 . (35) أخبار النحويين البصريين 31 ، طبقات الزبيدي 52 . (36) طبقات الزبيدي 67 ، 75 . (37) المصون للأدب لأبي احمد العسكري 119 ، الفهرست 82 . (38) أنباه الرواة 4 \ 346 ، كتاب سيبويه وشروحه 70 ، عبقري من البصرة 80 . على كتاب ( الفيصل ) للرؤاسي ووضع الكتاب على غراره وقد
ذكره قبل قليل وهو كالقول الثاني بعيد أيضا فالخليل لم يكن يحتاج إلى ذلك
فعله وقدراته العقلية معروفة بين تلامذته ولم يكن للرؤاسي شيء من ذلك وكان
للخليل أبداع في التأليف في غير النحو في كل فكرة . أما المحدثون من الدراسيين فقد اختلفوا أيضا وكان لهم قول غير ما للقدماء هو إدخالهم آثار الثقافة الأجنبية في أمر الكتاب(39) ، وقد مال فريق منهم إلى القول الأول للقدماء فهو أكثرها إنصافا وأقربها ، كما أرى ، إلى الحقيقة ، وهو إن الكتاب فيه علم الخليل وأقواله وآراؤه التي اقترنت باسمه أو أشار إليها سيبويه بقوله : وسألته أو قال أو يقول(40) ثم ما نقله عن يونس(41) ، أما الذين لم يدركهم سيبويه فكانت الرواية عنهم عن الخليل أو يونس أو غيرهما من شيوخه ، أما منهج الكتاب وتبويبه فالغالب عليه عقل الخليل أيضا وعلمه فقد قيل فيه : هو سيد قومه وكاشف قناع القياس في علمه(42) ، وهو المستنبط من علل النحو ما لم يستنبط احد وما لم يسبقه إلى مثله سابق(43) ، وهو الغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس(44) ، وهو اعلم الناس بالنحو والغريب وأكثرهم دقائق في ذلك وهو أستاذ الناس وواحد عصره(45) . ولو نظرنا إلى آرائه وأقواله لوجدناها تكون العمود الفقري لمعظم أبواب ( الكتاب ) إلا النادر الذي بناه على أقوال يونس في النسب والإمالة وغيرهما ************************************************************** (39) انظر الحديث مفصلاً في : الخليل بن احمد للمخزومي ، النحو العربي والدرس الحديث للدكتور ألراجحي ، في اللغة والأدب للدكتور المذكور ، سيبويه للدكتور صاحب أبو جناح ، في التفكير النحوي عند العرب لزهير زاهد . (40) ورد ذكر الخليل في 522 موضعاً ( سيبويه إمام النحاة لعلي نجدي 89 ، الخليل بن احمد للمخزومي 222 ) . (41) نقل عنه في حوالي مائتي موضع مقدمة محقق ( الكتاب ) عبد السلام هارون 1 \ 11 . (42) الخصائص 1 \ 361 . (43) طبقات الزبيدي 47 . (44) أخبار النحويين البصريين 30 ، الفهرست 70 ، نزهة الالباء 45 . (45) طبقات الشعراء لأبن المعتز 96 . ولوجدناه قد وضع معظم مصطلحات الكتاب وما يدور من مسائل
كما يقول الدكتور سوقي ضيف(46) .
أن دور الخليل في ( الكتاب ) كدوره في ( العين ) فهو واضع خطتهما وهو صاحب تبويبهما والمادة العلمية التي احتوياها ونقلها ليث وسيبويه مما أملاه عليهما إملاء في مجالسه أو في لقائهما أو من الألواح التي خلفها بعد موته ، ويمكن أن نستدل على ذلك بوجود أبواب كاملة في الكتاب صرح سيبويه انه نقلها عن الخليل(47) أو عن يونس بن حبيب(48) نقلاً بلفظهما . لقد ذهب المخزومي إلى أن ما احتواه ( الكتاب ) للخليل إلا ما نقله سيبويه عن يونس وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وأبي عمرو وغيرهم وما كان لسيبويه من أقوال عارض بها الخليل أو رجح بها مذهباً أو قولاً(49) . مدرسـة النحـو العربـي وانتشارهـا فـي الآفـاق مرت الإشارة إلى أن مدرسة النحو العربي قد تكاملت أسسها المنهجية وقامت أصولها على يدي الخليل بن احمد الفراهيدي في البصرة في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة ومنها تفرع منهجان في البحث والدرس النحوي : أولهما ما استمر وتطور منهجاً للبصريين بعد الخليل اعتماداً على ما ثبته ( الكتاب ) الذي عزي إلى سيبويه من أسس وأصول ، فما في ( الكتاب ) من مادة نحوية ولغوية وأساليب بحث عمودها وأصولها ومنهجها كان من وضع الخليل وتفنينه وكان سيبويه ************************************************************** (46) المدارس النحوية 85 . (47) من ذلك باب ( إرادة اللفظ بالحرف الواحد ) انظر الكتاب 3 \ 320 - 334 ؟ (48) نقل بابين كاملين في التصغير عن يونس ، قال في نهاة ( باب التصغير ما كان على ثلاثة أحرف ولحقها ألف التأنيث بعد ألف ) . وجمع ما ذكرت لك في هذا الباب الذي يليه قول يونس ( الكتاب 3 \ 423 والبابان من ص 419 - 424 ) . (49) الخليل بن احمد 220 . بمثابة الكاتب الذي لازم الخليل ودون علمه واملاءاته
ومجالاته ، يشير إلى ذلك ما قاله يونس بن حبيب زميل الخليل في التلمذة على
أبي عمرو بن العلاء الذي كان أكثر ملازمة لشيخه ووارث علمه في اللغة والنحو
حين اخبر بتأليف سيبويه لكتاب من ألف ورقة في علم الخليل قال ( ومتى سمع
سيبويه من الخليل هذا كله ؟ جيئوني بكتابه فلما نظر في كتابه وروى ما حكى قال
: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل فيما حكاه كما صدق فيما حكى عني )(50) وقد مر الحديث في هذا ، واهم خصائص هذا المنهج التشديد في السماع والأخذ عمن يطمأن إلى فصاحته ثم التشدد في القياس والأخذ بالشائع والأكثر من الأساليب والظواهر اللغوية والقياس عليه ، لأن غاية العلماء في ذلك المحافظة على فصاحة الأساليب العربية القرآنية وإشاعتها دون غيرها من الظواهر اللهجية القليلة والنادرة ، واخذ الدراسيين يتداولون . ( الكتاب ) جيلاً عن جيل بعد إن كان الاخفش الأوسط سعيد ( ت 211 هـ ) الطريق الوحيد إلى ظهوره وإقرائه(51) ، وقد أكبرت أجيال العلماء الكتاب لإكبارهم علم الخليل فعظموه في أوصافهم وحرصوا على روايته والنظر فيه لشموله واستيعابه قضايا اللغة نحواً وصرفاً واصواتاً وأساليب ، فقرأه على الاخفش الأوسط في البصرة أبو عثمان المازني ( ت 249 هـ ) وأبو عمر ألجرمي ( ت 225 هـ ) ثم اخذ عنهما أبو العباس المبرد ( ت 285 هـ ) ، ولما انتقل المبرد إلى بغداد أقرأه تلامذته وأهمهم أبو إسحاق الزجاج ( ت 310 هـ ) وأبو بكر بن السراج ( ت 316 هـ ) وعنهما اخذ تلامذتهما ، وهكذا انتشر علم الخليل في الكتاب ومنهج مدرسة البصرة بدراسة الدارسين إياه ، ثم انتقلت كتب البصريين ومهنا الكتاب إلى مصر من قصد بغداد لأخذ العلم ومنهم أبو العباس بن ولآد ( ت 332 هـ ) وقبله أبوه محمد بن ولآد ( ت 298 هـ ) الذي درس على المبرد وعلى الزجاج درس أبو جعفر النحاس ( ت 338 هـ ) ومع ابن ولآد والنحاس انتقل كتاب العين و ( الكتاب ) إلى مصر . من ************************************************************** (50) طبقات الزبيدي 52 . (51) انظر المدارس النحوية لضيف ص59 ، سيبويه للدكتور صاحب أبو جناح 76 . (52) طبقات الزبيدي 314 ، وانظر مقدمة محقق الكتاب ( إعراب القرآن ) للنحاس موضوع ( تلاميذه ) . مصر انتقل ( الكتاب ) رواية إلى الأندلس نقله محمد بن
يحيى الرباحي ( ت 358 هـ )(52) عن
النحاس ، وأقرأه في حلقات درسه هناك ثم تداولته أجيال طلبة العلم عنه .
وبشيوع ( الكتاب ) وغيره من كتب النحويين شاع المذهب البصري في النحو ومنهجه
في الآفاق . لقد بلغ عدد العلماء الذين عنوا بالكتاب وتخصصوا بدراسة وتأليفاً وشرحاً ما يقارب المائة في سائر الأقطار العربية المختلفة وأهم هذه الأقطار وأكثرها عدداً من أولئك العلماء بيئة الأندلس والمغرب إذ وجد هناك ما يقارب الأربعين عالماً عني عناية بالكتاب(53) لقد كان المتصف بالمذهب البصري في منهجه النحوي أول الأمر بصرياً في مدينة البصرة ولما انتقل علماء البصرة إلى بغداد وأخذ النحو عنهم ظل النحو ومنهجه يوصف بالبصري على الرغم من إن حملته ليسوا بصريين وكذا حاله في مصر والأندلس وغيرها ، ظلت هذه النسبة تلازمه بالرغم من انتقاله إلى مواطن أخرى . أما المنهج التالي للنحو العربي فقد ظهرت ملامحه على يد ألكسائي ( ت 189 هـ ) تلميذ الخليل أيضا إذ كان ألكسائي رأساً لهذا المذهب الجديد وهو نظير أبي عمرو بن العلاء البصري في كونه احد القراء السبعة وقد اخذ أول مرة عن أبي جعفر الرؤاسي الذي اخذ عن أبي عمرو وغيره من البصريين وهذا المنهج أنضجه أبو زكريا الفراء ( ت 207 هـ ) تلميذ ألكسائي وكلاهما استوعب علم الخليل سواء بالأخذ عنه مباشرة كما اخذ ألكسائي أو عن يونس بن حبيب كما اخذ الفراء(54) والاطلاع على أقواله وآرائه وعلمه في النحو واللغة التي تضمنها ( الكتاب ) فالكسائي كان قد قرأ الكتاب على الاخفش الأوسط الذي كان الطريق لظهور ( الكتاب ) كما ذكرت ، وكان الفراء يطيل النظر في الكتاب وقد روي انه وجدت نسخة من الكتاب تحت وسادته بعد وفاته قد ورثها عن ألكسائي ، وهي النسخة ************************************************************** (53) تطور الدرس النحوي ، د . حسن عون 53 . (54) نزهة الالباء 47 . التي حملها الجاحظ إلى بغداد هدية لمحمد بن عبد الملك
الزيات مفتخراً قرأه ، إنها من ميراث الفراء أو إنها بخطه ومقابلة ألكسائي
وتهذيب الجاحظ(55) .
أهم خصائص هذا المذهب أو المنهج التوسع في السماع واحترام النصوص المروية والمسموعة عن العرب وهي خصيصة من خصائص منهج الفراء واثر من آثاره ، لأن هذا المنهج يعتمد الرواية والنقل اساسأًُ له ، من خصائصه أيضا التوسع في القياس تبعاً لتوسعهم في السماع ، والقياس على ما سمع أو روي عن العرب مهما كان شيوعه في الغالب(56) . وفي القرن الثالث اجتمع المبرد شيخ المنهج البصري المعياري وثعلب شيخ المنهج الكوفي الوصفي في بغداد والتقيا وتناظرا ، وعاد النحو العربي إلى التوحد في منهج من اخذ على هذين الشيخين وظهر منهج جمع خصائص الذهبين سماه بعض الدارسين بالمدرسة البغدادية(57) أو المذهب البغدادي أو الانتقائي وسميته أنا بالمنهج الجامع(1) ، كان هذا المنهج يميل إلى جمع خصائص المنهجين بروايته القولين والاختيار أو التوفيق بينهما وهو المنهج الذي شاع لدى جيل التلامذة الذين اخذوا عن المبرد وتعلب معاً مثل ابن كيسان ( ت 299 هـ ) وابن شقير والزجاجي ( ت 337 هـ ) ثم جيل أبي جعفر النحاس(2) ومن جاء بعد ذلك حتى ابن مالك ( ت 672 هـ ) وغيره من النحويين الموسوعين مع اختلاف أجيال النحويين أو أفرادهم أو عصورهم بالاجتهاد في مجال الدرس النحوي . ************************************************************** (55) وفيات الأعيان 3 \ 436 ، أحسان ، وانظر أنباه الرواة 2 \ 351 . (56) انظر في ذلك مدرسة الكوفة للمخزومي ص 429 - 440 وانظر بحثنا ، النحويين والقراءات القرآنية - مجلة آداب المستنصرية العدد 15 1987 . (57) ( أبو جعفر النحاس ومذهبه في النحو ) زهير زاهد بحث منشور في مجلة الآداب البصرة ، العدد 18 سنة 1981 . أهـم المصنفـات بعـد الكتـاب لم تعد قراءة ( الكتاب ) سهلة ولا يسيرة لدى من جاء بعد
تلامذة الخليل بل حتى تلامذته كانوا يشعرون بشيء من الصعوبة قي جملة من
مسائله فهذا الاخفش الذي كان الطريق الوحيد لظهور الكتاب وقد أقرأه المازني
والجرمي والكسائي كان يقول : ( كنت اسأل سيبويه عما أشكل علي فيه فأن تصعب الشيء قرأته عليه )(58) وروى انه ألف كتباً أيسر على المتعلمين منها الأوسط في النحو والمسائل الصغير(59) . كانوا مقرئو ( الكتاب ) إذن يحسون بهذه الصعوبة وينقلون هذا الإحساس أحيانا إلى تلامذتهم ، فالمبرد حين يريد احد أن يقرأ عليه ( الكتاب ) يقول له : هل ركبت البحر تعظيماً واستصعاباً لما فيه(60) ، لذا كان التفكير في تصنيف ما يسر تعلم النحو على الدارسين ملحاً فوضع العلماء المختصرات والمتون(61) . يمكننا حصر المصنفات في النحو بعد ( الكتاب ) في أربعة أقسام : 1 ـ ما صنف في جانب من جوانب النحو بمعناه العام كالصرف والأصوات أو الحروف ، نذكر منها التصريف للمازني ( ت 249 هـ ) وشرحه لأبن جني ( ت 392 هـ ) وسر صناعة الإعراب لأبن جني . المصنفات في النحو نذكر منها أ ـ المقتضب للمبرد ( ت 285 هـ ) . ب ـ الأصول لأبن السراج 316 هـ . د - المفصل في علم العربية للزمخشري ( ت 538 هـ ) . ************************************************************** (58) انظر المدارس النحوية لضيف 94 . (59) وفيات الأعيان 2 \ 380 . (60) أخبار النحويين البصريين 39 . (61) انظر كتاب تيسير النحو التعليمي قديماً وحديثاً للدكتور شوقي ضيف ص 13 - 17 عرض المؤلف مجموعة ن هذه المختصرات والمتون منذ الاخفشي الأوسط حتى ابن آجروم المغربي ت 723 هـ وخالد الأزهري ت 905 هـ واضع المقدمة الأزهرية . 3 ـ الكتب التعليمية الميسرة والمختصرات ونأخذ منها
. أ ـ الجمل للزجاجي ( ت 337 هـ ) : ب ـ اللمع لأبن جني . ج ـ الواضح للزبيدي ( ت 379 هـ ) . 4 ـ الشروح والتعليقات وما يتعلق بذلك كشروح الكتاب بكل أنواعه وشروح المقتضب وشروح الجمل وشروح اللمع وغير ذلك من شروح الشروح والتعليقات على الشروح مما كان لدى النحويين المتأخرين خاصة . ولو أحصينا ما ألف وصنف في النحو العربي لكان لدينا آلاف المصنفات لذا كانت مكتبة النحو العربي أضخم مكتبة قياساً إلى أنحاء اللغات الآخر ، سنقصر الحديث على نماذج من الأنواع الثلاثة الأولى أمثلة لما صنف بعد ( الكتاب ) ومدى اهتمام الدارسين بها واتخاذ منهجاً في الدرس والبحث ، وأكاد أقول أن المصنفات بعد ( الكتاب ) لم يكد احد منها يتخلص من أسره وتأثيره في مادته وأسس منهجه فكان الكتاب الفلك الذي دارت المصنفات حوله لم يفلت من جاذبيته احد من النحويين إلا في حدود . 1 ـ التصريـف لأبـي عثمـان : صنفه في مجال من مجالات اللغة وهو الصرف ، شرحه ابن جني شرحاً وافياً بكتاب المصنف شرح ابن جني لكتاب التصريف ، وعلى الرغم من حسن التصنيف والتبويب في كتاب التصريف وشرحه كانت مادة لديهما مستمدة من أبواب الصرف في كتاب سيبويه مع تخليص بعض الموضوعات أو إضافة بعض الأمثلة وقد فتح فيه باب التمارين غير العملية في الصرف على مصراعيه كما قال الدكتور شوقي ضيف(62) والغاية من ذلك تعليمية وهو الذي كان يردد قوله : ( ما قيس على كلام فهو من كلام العرب )(63) . ************************************************************** (62) المدارس النحوية 119 وانظر المدارس النحوية للدكتورة خديجة ألحديثي 103 ، أبو عثمان المازني ألعبيدي 110 ، 115 . (63) الخصائص 1 \ 357 . 2 ـ أ ـ المقتضـب لأبـي العبـاس المبـرد : يعد المبرد آخر أئمة المدرسة البصرية
والمقتضب المصدر الثاني في النحو البصري(64) ، وقد ألفه في المرحلة الأخيرة من حياته (
بعد أن اكتمل نضجه العقلي وعمق تفكيره واستواة ثقافته لذلك كانت أنفس مؤلفاته
)(65) ، وعلى الرغم من أهميته في مجال
تطوير جملة من المصطلحات النحوية فقد حرص على أن تكون عنوانات كتابه واضحة
موجزة وكانت في كتاب سيبويه مطولة غامضة أحيانا(66) ، كان للمبرد فيه منهج في القياس طبع النحو
البصري في القرن الثالث وما أعقبه من القرون بعد أن تحدد السماع في الزمان
والمكان خصوصاً في مجال الشاهد الشعري ، فالمبرد يعد جيلاً في العلم وقد أفضت إليه أقوال البصريين وآراؤهم فقررها وأجرى الفروع والعلل والمقاييس عليها(67) وبالرغم من كل هذه الأهمية كان الكتاب فيه قوياً إذ كان اكبر من أقرأ ( الكتاب ) في القرن الثالث وخذه عنه علماء أمدوا النحو العربي البصري بالحياة كأبي إسحاق الزجاج وأبي بكر بن السراج وأبي الحسن بن كيسان ثم جاء الجيل بعد هؤلاء لم يقل اهتمامهم بالكتاب عمن سبقه أما المقتضب فقد ظل محدوداً إلى جانب الكتاب ، لأنه كان يدور في الإطار العام للكتاب وأسسه المنهجية وأصوله ومعظم مسائله وأبوابه مبنية على ( الكتاب ) وان خالفه في جملة من المسائل لا تكاد تمس الأصول(68) . لقد ذكر محقق كتاب المقتضب أربعة شروح له لم يصل منها سوى شرح سعيد الفارقي المتوفي 391 هـ وهو تلميذ أبي الحسـن الرمانـي المتوفـي 384 هـ(69) . ************************************************************** (64) المدارس النحوية لضيف 104 ، المدارس النحوية للدكتورة خديجة 123 . (65) المقتضب - مقدمة المحقق 1 \ 66 ، 71 . (66) المقتضب - مقدمة المحقق 1 \ 88 . (67) سر صناعة الإعراب 1 \ 129 ، 130 هنداوي دار القلم دمشق . (68) انظر كتاب سيبويه وشروحه للدكتورة خديجة 279 . (69) المقتضب - مقدمة المحقق 1 \ 83 . (ب) الأصول فـي النحـو ـ لأبي بكـر بـن السـراج : تأتي أهميته من كونه أول كتاب للبحث في أصول النحو وان لم
يقصر البحث على ذلك إنما غلب عليه مباحث النحو والصرف غير انه ثبت أشياء من
ذلك قال في مقدمته : ( وغرضي في هذا الكتاب ذكر العلة الذي إذا اطردت وصل بها
إلى كلامهم فقط وذكر الأصول والشائع لأنه كتاب إيجاز )(70) ، لقد جمع ابن السراج في كتابه أصول العربية
واخذ مسائل سيبويه ورتبها أحسن ترتيب(71) ، فكتاب الأصول إذن جمع مسائل النحو من كتاب
سيبويه وبوبها تبويباً حسناًَ جمع في كل باب ما يخصه ، فبدأ بمرفوعات الأسماء
ثم المنصوبان فالمجرورات وانتقل بعد ذلك إلى التوابع ثم ذكر نواصب الأفعال
وجوازمها . . وانتهى إلى مسائل الصرف(72) . ومن خصائصه خلوه من الاستطراد والتطويل . يعد كتاب الأصول بداية مرحلة في تطور العلة المتأثرة بالعقل والمنطق يبدو ذلك من تفريغه العلل وحديثه عن العلة وعلة العلة(73) وهذا الكتاب على الرغم من اهتمام من جاء بعد ابن السراج من النحويين والدارسين(74) ظل محدوداً إلى جانب شهرة كتاب سيبويه وانتشاره ولم يعرف سوى ثلاثة شروح ذكرها محققه في مقدمته . (ج) المفصـل للزمخشـري : عد بعض الباحثين الزمخشري مدرسة نحوية بعد مدرسة ( الكتاب ) لسيبويه ثم تأتي بعده مدرسة ابن مالك صاحب الألفية(75) وعده بعضهم من أصحاب المدرسة البغدادية المتأخرين الذين جمعوا القولين مثل ابن جني غير انه في ************************************************************** (70) الأصول في النحو 1 \ 38 . (71) نزهة الالباء 186 . (72) الأصول في النحو - مقدمة المحقق 1 \ 22 . (73) السابق 1 \ 37 ، 58 ، وانظر أصول التفكير النحوي 1 \ 22 . (74) انظر ذلك في كتاب الأصول - مقدمة المحقق 1 \ 15 وانظر أقوال العلماء في 1 \ 23 . (75) انظر تطور الدرس النحوي - لحسن عون 80 ... وما بعدها . اغلب آرائه وأقواله بصري المنهج(76) . كتابه المفصل أهم كتبه في النحو ، نال شهرة واسعة في المشرق والمغرب لأتقل عن شهرة ( الكتاب ) بل انه أصبح الكتاب الرئيس الذي يعتمد عليه في الأوساط العلمية شرقاً وغرباً بعد كتاب سيبويه بل اخذ مكان سيبويه في بعض الأوساط(77) ، وقد شرحه أكثر من ثلاثين عالماً لعل أشهر الشروح شرح ابن يعيش ( ت 643 هـ ) كما اختصره ونظمه عدد آخر من العلماء(78) . انه كتاب عني بدرس النحو على وفق منهج جديد في حينه فقد جعله مصنفه في أربعة أقسام : أولها : قسم الأسماء ، تحدث فيه عن المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والنسب والتصغير والمشتقات . ثانيها : قسم الأفعال وأنواعها وأقسامها . ثالثها : قسم الحروف وأقسامها من حروف العطف وغيرها . رابعها : قسم المشترك ، جمع فيه جملة من الظواهر اللغوية تكون في الأسماء والأفعال كالإمالة والوقف والإبدال والإعلال والإدغام . أهم ما يميز كتاب المفصل منهجه الواضح الجامع للمادة النحوية وقد خلى من التعليلات العقلية والاستطراد والحشو الذي كان يغلب على المادة النحوية في معظم المصنفات والشروح في عهد الزمخشري أو قبله فتضيع المادة النحوية في غمرة ذلك ، لذا كتب للمفصل الذيوع بين الراسيين فاهتموا به وتأثروا وعهدوه بالدرس والعناية والشرح ، فكان كتاب العصر بعد حياة مصنفه حتى وقت متأخر جعله بعض الدراسيين ممتداً إلى العصر الحديث(79) لما وجدوه فيه من فائدة إلى حسن عرض للمادة النحوية إلى جرأة واجتهاد في الأحكام النحوية ومسائل من اللغة والخروج ************************************************************** (76) المدارس النحوية لضيف 284 . (77) تطور الدرس النحوي 99 . (78) تطور الدرس النحوي 100 . (79) السابعة 102 . أحيانا على ما استقر عليه التقليد كالاستشهاد بالحديث
النبوي واتخاذه أصلا من أصول اللغة(80) . 3 ـ (أ) الجمـل لأبـي القاسـم الزجاجـي : لقد كان واسع الشهرة والانتشار اهتم به الدارسون في المشرق والمغرب وتعهدوه بالدرس والعناية والشرح وقد بلغت شروحه بالمغرب وحدها مئة وعشرون شرحاً(81) ، ومنهم من شرحه أكثر من مرة كأبن عصفور ( ت 669 هـ )(82) ، وهذا اهتمام لا يقل عن الاهتمام بكتاب سيبويه مع فرق شمول الكتاب المادة النحوية وأبوابها وفرق أسلوب ما بينهما ، وشهرة كتاب الجمل لا تعود إلى الهالة التي أحاطت بتأليفه فحسب إذ أن الزجاجي كان يطوف بالكعبة كلما فرغ من كتابة باب من أبوابه يدعو الله أن ينفع بكتابه(83) إنما كان السبب الأقوى في ذلك كونه كتاباً ميسراً سهل التناول والفهم واضح المنهج شاملاً في احتوائه على موضوعات النحو والصرف والأصوات منظماً في تبويبه بعيداً عن الغموض وكثرة العلل وتفريعها . هذا السبب لا يقل عن سابقه في ذيوعه وشهرته ، موضوحه وقرب مأخذه دفع بابن حزم احد مفكري ذلك العصر أن يختاره مع كتاب ( الواضح ) للزبيدي لأن يكون لكل واحد منهما كافياً لطالب العلم الذي ينبغي له أن يعرف ما يمر من القرآن والسنة من الإعراب(84) . ************************************************************** (80) انظر تفصيل ذلك في كتاب الدراسات النحوية واللوية عند الزمخشري للدكتور فاضل السامرائي ص 167 ، تطور الدرس النحوي 101 ، 102 . (81) انظر شرح جمل الزجاجي لابن عصفور - مقدمة محققه 1 \ 45 وانظر ( الزجاجي ومنهجه في النحو ) للدكتور عبد الحسين المبارك ص 50 . (82) انظر شرح جمل الزجاجي - مقدمة المحقق 1 \ 37 ، 45 . (83) السابق 1 \ 45 ، الزجاجي ومذهبه في النحو ص 50 . (84) رسائل بن حزم الأندلسي 3 \ 164 . (ب) كتـاب الواضـح لأبـو بكـر الزبيـدي : ألف هذا الكتاب للغاية التي ألف لها سابقه
فهو من الكتب التعليمية المصنفة بأسلوب واضح بعيد عن التعقيد خال من كثرة
العلل والخلاف النحوي . كان يحاول أن يثبت الرأي الذي يراه صائباً بصرياً كان
أم كوفياً . فمؤلفه واضح الاطلاع على آراء النحويين المختلفة مذاهبهم إضافة
إلى ما كان يستعمله من الأسئلة الشائعة القديمة(85) ، ضم الكتاب موضوعات النحو العام نحواً
وصرفاً واصواتاً . شاع هذا الكتاب بين الدارسين واستقبل استقبالاً واسعاً بلغ من الشهرة والقبول مبلغاً حسناً ، لقد وقع اختيار ابن حزم الأندلسي كما ذكرت معتبراً إياه كتاباً منهجياً يكفي أن يتعلم الدارس منه العربية وما يستعين به على أموره الفكرية واللسانية(86) . (ج) كتـاب اللمـع لأبـن جنـي : من المصنفات المؤلفة في تقريب النحو وتيسره على المتعلمين ومصنفه احد كبار علماء اللغة في القرن الرابع . ضم في ابوابه المادة النحوية كما تواضع عليها علماء النحو قبله في عبارة واضحة وأبواب منسقة . لقد ذاعت شهرته بين الدارسين حتى انشغل الناس به وبإيضاح أبي علي أللنحوي عن كتاب الجمل للزجاجي(87) وقد تجاوزت شروح اللمع العشرين(88) . وعلى الرغم من شهرة كتاب اللمع فابن جني قد شهر بكتاب ( الخصائص ) الذي تميز بغزارة مادته وعظم فائدته وإبداع مصنفه في مباحث اللغة ونظرياتها ودراسة أصول اللغة التي أفاد مبادئها من أصول ابن السراج الذي وصل إليه ************************************************************** (85) انظر تفصيل ذلك في كتاب ( الواضح ) وما أثبته محققه في مقدمة من شواهد ص 15 ، 16 . (86) انظر رسائل ابن حزم الأندلسي 3 \ 164 ، كتاب الواضح - مقدمة محققه ص 15 . (87) أنباه الرواة 2 \ 161 . (88) انظر كتاب اللمع - مقدمة محققه ص 30 عدد منها محققه فائز فارس ثلاثة وعشرون شرحاً . عن طريق شيخه أبي علي ومادة ( الخصائص ) ليست نحوية إلا
أنها عظيمة الفائدة في خدمة المادة النحوية ، لذا كانت شهرة ( الخصائص ) قد
طغت على ( اللمع ) مع فائدته . ـ أبو عثمان المازني ومذاهبه في الصرف ـ د . رشيد ألعبيدي ـ بغداد 1969 . ـ أبو عمرو بن العلاء ـ جهوده في القراءة والنحو ـ د . زهير زاهد ـ مركز دراسات الخليج العربي البصرة 1987 . ـ أخبار النحويين البصريين ـ أبو سعيد السيرافي قح ـ الزيني والخفاجي ط1 1955 ـ القاهرة . ـ إرشاد الأريب في معرفة الأديب ـ ياقوت الحموي ، مطبعة هندية بالموسكي 1927 القاهرة . ـ الأصوات ـ د . كمال بشر ط5 ـ دار المعارف بمصر 1979 . ـ الأصول ـ د . تمام حسان . الهيأة المصرية العامة للكتاب 1982 . ـ أصول التفكير النحوي عند العرب ـ د . علي أبو المكارم ـ منشورات الجامعة الليبية 1973 . ـ كتاب الأصول في النحو ـ أبو بكر السراج ـ د . عبد الحسين ألفتلي ـ النجف 1973 . ـ إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس ـ تح زهير زاهد ـ بغداد ـ مطبعة العاني 1977 ـ 1980 . ـ الاقتراح في علم أصول النحو ـ السيوطي ـ حيدر أباد 1359 هـ ط2 . ـ أنباه الرواة على أنباه النحاة ـ القفطي . تح أبو الفضل إبراهيم ـ دار الكتب المصري . ـ الإيضاح في علل النحو ـ أبو القاسم الزجاجي ـ تح د . مازن المبارك ـ دار العروبة 1959 . ـ البرهان في علوم القرآن ـ الزرطشي ـ تح أبو الفضل إبراهيم 1957 . ـ بغية الوعاة ـ السيوطي . تح أبو الفضل إبراهيم ـ المكتبة العصرية بيروت . ـ تاريخ الأدب العربي ـ بروكلمان ـ ترجمة عبد الحليم النجار ـ دار المعارف بمصر . ـ تجديد النحو العربي ـ د . عفيف دمشقية . معهد الإنماء العربي ـ لبنان 1976 . ـ تطور الدرس العربي ـ د . حسن عون ـ معهد الجامعة العربية 1970 ـ القاهرة . ـ التنبيه على حدوث التصحيف ـ حمزة الأصفهاني ـ تح الشيخ آل ياسين ـ مكتبة النهضة العربية ـ بغداد . ـ تيسير النحو التعليمي ـ قديماً وحديثاً ـ د . شوقي ضيف ـ دار المعارف بمصر 1986 . ـ كتاب الحروف ـ الفارابي ـ تح محسن مهدي ـ دار المشرق بيروت 1969 . ـ الخصائص ـ ابن جني ـ تح محمد علي النجار ـ دار المكتبة المصرية 1952 ـ 1956 . ـ الخليل احمد الفراهيدي ـ د . مهدي المخزومي م الزهراء ـ بغداد 1960 . ـ الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري ـ د . فاضل السامرائي ـ مطبعة الإرشاد ـ بغداد 1971 . ـ الرد على النحاة ـ ابن مضاء القرطبي ـ تح د . شوقي ضيف دار المعارف بمصر ط2 . ـ رسائل ابن حزم الأندلسي ـ تح د . إحسان عباس ـ بيروت . ـ الزجاجي ومذهبه في النحو د . عبد الحسين المبارك مطبعة جامعة البصرة ـ 1982 . ـ سر صناعة الإعراب ـ ابن جني ـ تح هنداوي ـ دار العلم ـ دمشق . ـ سلامة اللغة العربية ـ عبد العزيز عبد الله ط1 1985 . ـ شرح الجمل للزجاجي ـ ابن عصفور الاشبيلي ـ تح ونشر وزارة الأوقاف العراقية ـ مطبعة الموصل . ـ ألصاحبي في فقه اللغة وسنن العرب في كلامها ـ ابن فارس . تح مصطفى الشويمي ـ بيروت 1964 . ـ طبقات الشعراء ـ ابن المعتز . تح أبو الفضل إبراهيم ـ دار المعارف بمصر . ـ طبقات الشعراء ـ ابن سلام ـ دار النهضة العربية ـ بيروت . ـ طبقات النحويين واللغويين ـ أبو بكر الزبيدي ـ تح أبو الفضل إبراهيم ـ دار المعارف بمصر . ـ عبقري من البصرة د . مهدي المخزومي ـ وزارة الإعلام العراقية 1972 . ـ كتاب العين ـ الخليل بن احمد الفراهيدي . د . المخزومي والسامرائي ـ نشر وزارة الإعلام العراقية 1980 . ـ الفاضل ـ المبرد ـ تح الميمني ـ م دار الكتب المصرية 1959 . ـ الفهرست ـ ابن النديم ـ مطبعة الاستقامة القاهرة . ـ في البحث الصوتي عند العرب ـ د . خليل العطية ـ الموسوعة الصغيرة عدد ( 124 ) بغداد . ـ في التفكير النحوي عند العرب ـ د . زهير زاهد ـ عالم الكتب ومكتبة النهضة 1986 . ـ الكتاب ـ سيبويه . تح عبد السلام هارون ـ دار القلم 1966 ـ 1968 . ـ كتاب الحروف ـ الحروف . ـ كتاب الأصول ـ الأصول . ـ كتاب سيبويه وشروحه ـ د . خديجة ألحديثي ط1 ـ مطابع دار التضامن ـ بغداد 1967 . ـ اللمع ـ ابن جني . تح فائز فارس ـ الكويت . ـ اللمع ـ ابن جني . تح حامد المؤمن . مطبعة العاني ـ بغداد 1982 . _ المدارس النحوية ـ د . شوقي ضيف ـ دار المعارف بمصر . ـ المدارس النحوية ـ د . خديجة ألحديثي ـ مطبعة جامعة بغداد 1986 . ـ مدرسة الكوفة ـ د . مهدي المخزومي ـ م دار المعرفة ـ بغداد 1955 . ـ مراتب النحويين ـ أبو الطيب اللغوي ـ تح أبو الفضل إبراهيم ـ مكتبة النهضة ، القاهرة . ـ المزهر ـ السيوطي ـ تح جادل المولى وآخرين ـ دار الفكر . ـ المصون في الأدب ـ أبو احمد العسكري ـ تح هارون ـ الكويت 1960 . ـ معجم الأدباء ـ إرشاد الأديب . ـ المقتضب ـ المبرد ـ تح عبد الخالق عظيمة ـ عالم الكتب ـ بيروت . ـ المفصل في علم العربية ـ الزمخشري ـ مطبعة حجازي القاهرة . ـ مكانة الخليل بن احمد في النحو العربي ـ د . جعفر عبابنة ـ دار الفكر للنشر والتوزيع عمان 1984 . ـ النحويين والقراءات القرآنية ـ زهير زاهد ـ بحث في مجلة آداب المستنصرية ـ العدد 15 1987 . ـ نزهة الالباء في طبقات الأدباء ـ ابن الانباري ـ تح السامرائي ـ مكتبة الأندلس ـ بغداد 1970 . ـ الواضح ـ أبو بكر الزبيدي ـ تح عبد الكريم خليفة ـ منشورات الجامعة الأردنية 1962 . ـ وفيات الأعيان ـ ابن خلكان ـ تح إحسان عباس ـ دار الثقافة ـ بيروت . |